--------------
كاروز ، شرطى فى سلاح الفرسان العسكرى الروسى إبان الحرب العالمية الثانية ، كان مختصا" بالإشراف على تربية ورعاية الخيول والعناية بها وبغذائها ونظافتها وتدريبها والإشراف على عنابر معيشتها ، كان يتعامل مع خيول السلاح كما يعامل أولاده لحبه وشغفه الشديد بالخيول وبالعيش والمبيت معهم فى الإسطابل حتى أطلق عليه زملائه لقب " كبير الجياد " ، وصلته رسالة من قائد السلاح بأن المعسكر بكاملة بما فيه من جياد سوف يتم تصفيته وإخلاءه تمهيدا لإقامة معسكرات تدريب للجنود وأماكن مبيتهم وأن عليه إعداد تقرير شامل عن الخيول وأوصافها والثمن المقدر لها خلال موعد إسبوعين فقط كحد أقصى تمهيدا" لبيعها بطريق المزاد العلنى ، نزل الخبر عليه كالصاعقة ولم يحظ بساعة واحدة للنوم طوال ثلاث ليال متتالية فقد كان لهذه الرسالة وقع مؤلم عليه لكنه كان مرغما"- بطبيعة الحال - على تنفيذ الأمر بلا خيار ، ومما زاد من حزنه الشديد أنه حتما سيفارق " جول " ذلك الجواد اليافع الذى تربى على يديه منذ صغره والذى يتمتع بجمال نادر ورشاقة بالغة وجسد رائع وهى صفات مميزه لم يعهدها فى باقى القطيع بل أنه كان يخص جول بالذات للحديث معه ومداعبته وملاحظة ردود الفعل الذكية على وجهه وخاصة عيناه اللامعتين ورفع ساقيه الأماميين لأعلى كتعبير عن سعادته بصحبة كاروز وحنانه الفائق ، فى تاريخ يوم عقد المزاد الذى ستباع فيه الخيول إنزوى كاروز فى ركن بعيد عن ساحة المزاد كى لا ير جول وهو يساق الى المشترى الذى سيفوز به ليرحل عنه جول الى الأبد حتى دون وداع بل ولم يتابع مع جمهور الحاضرين إجراءات المزاد والخيول التى تم بيعها فقد كان همه الأول هو لحظة رسو المزاد على جول بالذات ، لم يطل الوقت كثيرا، حتى حانت لحظة الفراق ، رسى المزاد على أحد تجار الخيول الأثرياء وبعد ان سدد الثمن واستلم أوراق ومستندات الجواد بدأ فى مغادرة الساحة ساحبا" جول ومتجها" الى عربه الخيول التى ستقله الى وطن جديد وكاروز يتابعه بعينيه الغارقتين فى الدموع سيما وجول ناظر للخلف حيث يقف كاروز وكأنه يلقى عليه الوداع الأخير فى مشهد مهيب لا فرق فيه بين إنسان وحيوان ، لاحظ المشترى ذلك بحكم خبرته فى تجارة الخيول ، فجأه سحب جول نفسه من يد المشترى فى حالة غضب وهياج شديدة ثم ركض مسرعا" الى كاروز ووقف بجانبه ساكنا" دون حراك يتحسس بفمه وجه كاروز وعيناه مغمضتين وكأنه قد أزاح عن نفسه تأثير كارثة كانت محققه لولا إنفلاته من يد المشترى ومثوله بجوار كاروز ، لم يسع الأخير إلا إحتضانه والمسح بيديه على رأسه مخرجا منديلا ليمسح من عينيه دموعه التى سالت على وجنتيه وحاله يعبر عن شعور دفين كان يتمنى أن يعبر فيه لجواده الأثير عن قلة حيلته فيما حدث وأنه لم يكن مخيرا" فى أمر هذا المزاد اللعين ، لم يكن المشترى فى غيبة عن ذلك الموقف الشعورى المتبادل بين كاروز وجول مستغربا" هذا الشعور الراقى فعاد الى كاروز وربت على كتفه مبتسما" ودون أن يعلق على ما رآه بأم عينيه فقد سلم مقود جول الى كاروز قائلا له :
- جول هدية منى إليك
فوزى البحيرى

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شرفنى بتعليقك